عبد الرحمن بدوي

مقدمة 26

أرسطو عند العرب

المعيد ومن هذا المتفرّغ عن الباطل للحق ، وعن الدنيا للآخرة ، وعن الفضول للفضل ! ! لقد أنشب القدر فىّ مخاليب الغير ، فما أدرى كيف أتملّص ، وأتخلّص » ، إلى آخر ما قاله عن اضطراب أحواله بسبب مشاركته في الأمور السياسية مما جعله ينسلخ عن العلم . وفي هذا النص كذلك ما يميل بنا إلى القول بأنه لم يعد الكتاب كله ، أعنى « الإنصاف » ، لأنه لم يعد له « مهلة » لإعادته ، وقد اضطربت أحواله بحيث لم يكن في وسعه الانعكاف من جديد على مثل هذا العمل الضخم . لهذا نرى أن دعوى عزيز الدين الفقاعي يجب أن تؤول على نحو آخر . وهذا التأويل هو أن يقال إنه لم يقصد نسخة كاملة من « الإنصاف » ، بل أجزاء منه هي التي بقيت بعد النهب ، وهي التي قال عنها البيهقي : « ولم يؤخذ من كتاب الإنصاف إلا أجزاء » . ويتأيد هذا بقوله في الرسالة السابقة : « وأما « المسائل الشرقية » فقد كتبت أعيانها بل كثيرا منها في أجزائها لا يطلع عليها أحد ، وأثبتّ أشياء منها من « الحكمة العرشية » في جزازات ، فهذه هي التي ضاعت ، . . . » . فقوله المسائل الشرقية يقصد به من غير شك كتاب « الإنصاف » ، بدليل قوله بعد : « بلى ! كتاب « الإنصاف » لا يمكن أن يكون إلا مبسوطا » مع أنه لم يشر إليه من قبل بالاسم ، وهذا يدل بوضوح على أنه لما أشار إلى « المسائل الشرقية » قصد كتاب « الإنصاف » وقد تحزّن على ضياعه ذلك الصديق الذي يوجه إليه هذه الرسالة . ومعنى هذا النص إذا أن كتاب « الإنصاف » لم يضع منه إلا الجزء الذي حرره وهو القسم منه الخاص بالحكمة العرشية . أما الباقي فلم يضع . وهذا الباقي هو الأجزاء الباقية التي أشار إليها البيهقي . وهذا من شأنه أيضا أن يفسر قوله في الرسالة إلى الكيا : « وأنا بعد فراغى من شئ أشتغل بإعاداته ، وإن كان ظل الإعادة ثقيلا . لكن ذاك ( أي الذي كان على إعادته ) كان يشتمل على تلخيص ضعف البغدادية وتقصيرهم وجهلهم » ( ص 121 - ص 122 ) . ومعنى هذا أن الشئ الذي ضاع وهو الخاص بالحكمة العرشية هو ذلك القسم الذي كان يشتمل على تلخيص آراء البغداديين ونقدها . أما القسم الآخر ، وهو الذي بقي بعد هذا النهب ، فهو المتصل بشرح كتب أرسطو وبيان سهو المفسرين ؛ ففضل أن يشتغل « بمثل الإسكندر وثامسطيوس ويحيى النحوي وأمثالهم » ( ص 122 ) على أن يشتغل بهؤلاء البغداديين